محمد بن زكريا الرازي
35
المدخل إلى صناعة الطب ( إيساغوجي )
بعد الأكل يجمع الحرارة المنتثرة في البدن إلى المعدة فيعين على الهضم والنوم قبل الطعام رديء لأنه يجفف البدن من قبل أن الحرارة عند النوم تنشف رطوبته والشرب مع الطعام رديء إلا أن يغلب العطش على صاحبه وإنما صار رديئا لأن الماء يقوم بين الطعام وبين المعدة فينبغي أن يشرب الماء بعد أن تأخذ المعدة من تلك الأغذية وتبدأ بالهضم لتقوى عليه والاستحمام قبل الطعام بالماء يذيب الفضل ويحلله وبعد الطعام يورث سددا في الكبد والأحشاء . 10 - [ وأما الأحداث النفسانية ] فإن منها ما يحرّك الحرارة الغريزية إلى ظاهر البدن دفعة مثل الغضب والغضب اسم لثوران النفس ممن نريد الانتقام منه وهو غليان الدم وحركة شديدة من القوة الغضبية التي هي في بدن القلب رابّته . فأما الحزن فليس من غليان الحرارة بل من حركتها فقط إلى داخل البدن قليلا قليلا . والحزن اسم لخمول النفس عند اليأس مما تريده . والرعب تحرك الحرارة إلى داخل البدن دفعة . والهم تحرك إلى داخل البدن مرة وإلى خارجه مرة . واللذة تحرك الحرارة إلى ظاهر البدن قليلا قليلا . [ وألوان الجلد ] تكون على ضربين فمنها ما يحدث من داخل وهو صنفان غلب الأخلاط واعتدالها ومنها ما تحدث عن أسباب من خارج وهي صنفان فمنها مزاج الهواء مثل ما يكون من برد بلاد الصقالبة فتبيض ألوانهم أو من حر بلد السودان فتحرق ظاهر أبدانهم وتسوده ومنها ما يكون عن الأحداث النفسانية مثل حمرة الخجل وصفرة الجزع ونحوه . واللون الدالّ على الاعتدال هو المركب من البياض والحمرة . فأما السواد والصفرة والحمرة فمن غلبة الحرارة لأن الحرارة قد تغلب بعفن كل واحد من الأخلاط فتصير اللون متغيرا لما ذكرناه . فإذا عفنت الصفراء صار اللون مصفرا وذلك يكون مع هزال وانخراط . فأما إذا كانت صفرة مع ترهل وانتفاخ فإن ذلك من فساد برد ورطوبة وقد يدل سواد اللون على